مصطفى عثمان إسماعيل الأمينأستاذ جامعي · دبلوماسي · مؤلف
ورقة بحثية

النظام الدولي بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية

ورقة قدّمها الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل في المؤتمر العلمي الأكاديمي السابع للجمعية العربية للعلوم السياسية بالقاهرة، تجادل بأن ما يجري في النظام الدولي ليس انتقالاً مكتملاً من الأحادية إلى التعددية القطبية، بل «تعددية ترميمية» تعيد توزيع النفوذ داخل البنية التي أنتجت الهيمنة، وتحلل انعكاسات ذلك على المنطقة العربية.

الجلسة الختامية للمؤتمر، وفيها الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل الأمين، والأمين العام للجمعية الدكتور حسان الأشعر، ورئيس الجمعية الدكتور جمال زهران، ومدير الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية بالسودان الدكتور أمير النعمان، ونائب رئيس الجمعية الدكتور حسن جوني.
الجلسة الختامية للمؤتمر، وفيها الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل الأمين، والأمين العام للجمعية الدكتور حسان الأشعر، ورئيس الجمعية الدكتور جمال زهران، ومدير الأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية بالسودان الدكتور أمير النعمان، ونائب رئيس الجمعية الدكتور حسن جوني.

7–8 أكتوبر 2026

شارك الأستاذ الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل الأمين، أستاذ جامعة حمد بن خليفة ووزير خارجية السودان الأسبق، في المؤتمر العلمي الأكاديمي السابع للجمعية العربية للعلوم السياسية بالقاهرة، الذي انعقد في النادي الدبلوماسي المصري برعاية وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي، يومي 7 و8 أكتوبر 2026، وقدّم فيه ورقة بحثية بعنوان «النظام الدولي بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية» ضمن المحور الأول للمؤتمر: التحولات البنيوية في النظام العالمي.

وقد ترأس الجلسة التي قدّم فيها الدكتور مصطفى ورقته المفكر العربي والوزير المصري الأسبق الأستاذ الدكتور علي الدين هلال، وحظيت الورقة بنقاش واسع من المشاركين والمهتمين بشأن العلاقات الدولية. وفيما يلي نص الورقة كاملاً.

الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل ومعه الدكتور حسان الأشعر، الأمين العام للجمعية العربية للعلوم السياسية، في جلسة حوار.
الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل ومعه الدكتور حسان الأشعر، الأمين العام للجمعية العربية للعلوم السياسية، في جلسة حوار.

النظام الدولي بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية

بحث مقدّم إلى المؤتمر العلمي الأكاديمي السابع للجمعية العربية للعلوم السياسية: «انعكاسات التغيرات الحاصلة في النظام العالمي على حاضر ومستقبل المنطقة العربية والعلاقات الدولية» — المحور الأول: التحولات البنيوية في النظام العالمي. د. مصطفى عثمان إسماعيل الأمين، جامعة حمد بن خليفة، قطر.

الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل يستهل عرض ورقته بقراءة ملخصها.

الملخص

ينطلق هذا المقال من سؤال مركزي مفاده: لماذا لم ينتهِ النظام الأحادي رغم تصاعد الحديث عن التعددية الدولية؟ ويجادل البحث بأن ما يجري في النظام الدولي المعاصر لا يمثل انتقالًا تاريخيًا مكتملًا من الأحادية إلى تعددية قطبية جديدة، بل يعكس حالة تعددية هجينة ترميمية تسعى إلى إعادة توزيع أدوات النفوذ داخل البنية نفسها التي أنتجت الهيمنة الأحادية، دون إحداث قطيعة حقيقية مع مرتكزاتها المعرفية والمؤسسية والأمنية. فمن “إجماع واشنطن” إلى “إجماع بكين”، مرورًا بالمقاربات الأمنية والعسكرية، وصولًا إلى أنماط إعادة الاستعمار والاستيطان والتفوق التكنولوجي، تبدو البدائل المطروحة أقرب إلى إعادة إنتاج النظام السابق في صيغ معدلة، لا إلى تأسيس نظام عالمي جديد أكثر عدالة وتوازنًا.

وفي هذا السياق، يفترض المقال أن الأزمات الدولية الراهنة لا تعكس فقط تراجع الأحادية الأمريكية، بل تكشف أيضًا عجز البدائل الصاعدة عن تجاوز منطق الهيمنة ذاته، بما يجعل التعددية الجارية تعددية ناقصة أو ترقيعية لا تملك القدرة على بناء شرعية دولية جديدة. ومن ثم، يسعى البحث إلى تحليل انعكاسات هذه البنية الدولية المتحولة على المنطقة العربية، بوصفها إحدى أكثر الساحات تأثرًا باستمرار المنطق الأحادي في ثوب تعددي، سواء من خلال التدخلات الخارجية، وإعادة تشكيل التحالفات، وتسييس الأمن، وتفاوت السيادة، أو عبر إعادة إنتاج التبعية في الاقتصاد والمعرفة والخطاب السياسي.

ويخلص المقال إلى أن المنطقة العربية لا تواجه نظامًا تعدديًا مستقرًا بقدر ما تواجه طورًا انتقاليًا مضطربًا تتعايش فيه بقايا الأحادية مع تعددية ترميمية عاجزة عن إنتاج أفق عالمي بديل. وعليه، فإن تجاوز هذا المأزق لا يكون عبر تحسين شروط التكيف مع النظام القائم، بل عبر الإسهام في بلورة تصور دولي جديد يتجنب سوءات الأحادية، ويتأسس على العدالة، والتعدد الحضاري، والكرامة الإنسانية، والتكافؤ بين الفاعلين، بما يفتح المجال أمام أفق تحرري يتجاوز مجرد تداول الهيمنة بين القوى الكبرى.

الكلمات المفتاحية: النظام الدولي؛ الأحادية القطبية؛ التعددية الترميمية؛ المنطقة العربية؛ الهيمنة الدولية.

مقدمة

منذ نهاية الحرب الباردة، ترسخ في الأدبيات السياسية والاستراتيجية تصورٌ مفاده أن انهيار الثنائية القطبية دشّن “لحظة أحادية” أمريكية لم تغيّر موازين القوى فحسب، بل أعادت كذلك تعريف قواعد الشرعية، والمؤسسية الدولية، والتنمية، والأمن، والتدخل، على نحو جعل النظام الليبرالي الغربي يبدو وكأنه الأفق الوحيد الممكن لتنظيم العالم (Ikenberry, 2001, 2011). وقد تعزّز هذا التصور بفكرة أن الهيمنة لا تُختزل في التفوق العسكري المباشر، بل تتجسد أيضًا في القدرة على بناء القواعد والمؤسسات وترسيخها بحيث تستمر في تنظيم التعاون الدولي حتى مع تغيّر بعض موازين القوة (Keohane, 1984). غير أن العقود الثلاثة الأخيرة كشفت أن ما بدا نظامًا مستقرًا ومنتصرًا لم يكن في الحقيقة سوى ترتيبٍ دولي قابلٍ للتآكل، إذ أخذت تظهر أزماته تباعًا على مستوى الشرعية، والتوزيع العالمي للقوة، وفعالية المؤسسات، وحدود النموذج الليبرالي نفسه في مركزه الغربي.

وفي موازاة هذا التآكل، تصاعد الحديث عن “نهاية الأحادية” وصعود التعددية القطبية أو التعددية المركبة. فذهب بعض الباحثين إلى أن العالم يتجه نحو نظام “متعدد التراكيب” أو multiplex، تتعايش فيه أوامر متقاطعة ومتداخلة، وتبقى فيه بعض عناصر النظام الليبرالي قائمة، ولكن داخل بنية أكثر تعقيدًا وأقل خضوعًا لهيمنة مركز واحد (Acharya, 2017). كما طُرحت تصورات أخرى عن “التعدد العميق”، حيث يتوزع الثقل المادي والثقافي والسياسي على مراكز متعددة، بما يجعل العالم أقل قابلية للاحتكار الغربي المنفرد (Buzan, 2023). ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه التفسيري لا يحسم السؤال الجوهري المتعلق بطبيعة التحول الراهن: هل نحن فعلًا أمام نشوء نظام دولي جديد، أم أمام إعادة ترتيب داخل البنية القديمة؟ بل إن بعض الدراسات الحديثة تذهب إلى أن الأحادية لم تنتهِ بعد إذا قيس النظام الدولي بميزان القدرات العسكرية المتطورة وأدوات الهيمنة الصلبة، الأمر الذي يجعل كثيرًا من خطاب “التعددية” أقرب إلى الوصف السياسي منه إلى التحول البنيوي المكتمل (Røren, 2024).

من هذا المنطلق، ينطلق هذا المقال من فرضية رئيسية مؤداها أن ما يجري اليوم لا يمثل انتقالًا تأسيسيًا كاملًا من الأحادية إلى التعددية، بل يعكس تعددية ترميمية تعيد توزيع النفوذ داخل البنية نفسها التي أنتجت الهيمنة الأحادية. فالتراجع النسبي للقدرة الأمريكية على الانفراد بقيادة النظام الدولي لا يعني بالضرورة سقوط المنطق الذي حكم ذلك النظام؛ إذ تستطيع المؤسسات والقواعد والمعايير التي تأسست في ظل الهيمنة أن تستمر بعد تراجعها، وأن يُعاد توظيفها أو تكييفها من قِبل فاعلين آخرين من دون المساس بمرتكزاتها العميقة (Keohane, 1984; Ikenberry, 2001). وبذلك، فإن ما يبدو في الظاهر تعدديةً صاعدة قد لا يكون أكثر من “ترقيع” للنظام السابق: تعددية تعمل داخل حدوده، وتعيد إنتاج منطقه، وتكتفي بتبديل مراكز القوة أو أدوات التنفيذ دون مساءلة مقدماته المعرفية والمؤسسية والأخلاقية.

وتتضح أهمية هذه الفرضية أكثر حين ننظر إلى التحول الدولي من منظور فكّ الاستعمار في العلاقات الدولية. فالإشكال لا يتعلق فقط بتحول مركز الثقل من الغرب إلى مزيجٍ أكثر تعقيدًا من القوى الكبرى والصاعدة، بل يتصل كذلك باستمرار “الاستعمارية” داخل البنى التي تُعرَّف من خلالها مفاهيم النظام، والاستقرار، والتنمية، والشرعية، والمعرفة نفسها (Tucker, 2018). ومن ثم، فإن الانتقال من “إجماع واشنطن” إلى صيغ بديلة، أو من هيمنة ليبرالية إلى مقاربات أمنية أو حربية أو استيطانية، لا يعني بالضرورة تجاوز منطق السيطرة، بل قد يعكس إعادة صياغته في قوالب مختلفة. وهذا التصور يتقاطع بوضوح مع نتائج الندوة المغلقة التي استندت إليها هذه الورقة، والتي ناقشت أن الأطر المتنافسة في النظام الدولي المعاصر من واشنطن إلى بكين، مرورًا بالمقاربات الأمنية والحربية وإعادة الاستعمار لا تزال تتحرك داخل أفقٍ واحد يعيد إنتاج الهيمنة بدل أن يؤسس توافقًا عالميًا جديدًا قائمًا على العدالة والتعدد والكرامة الإنسانية (Aydın, 2026; Hamad Bin Khalifa University, 2026).

وفي هذا السياق، تكتسب المنطقة العربية أهمية تحليلية خاصة، لأنها تُعد من أكثر الأقاليم التي تظهر فيها بوضوح الطبيعة غير المكتملة لهذا “التحول” الدولي. فالمنطقة ليست مجرد هامش يتلقى نتائج الصراع بين القوى الكبرى، بل هي أحد الفضاءات الأساسية التي يُختبر فيها استمرار المنطق الأحادي في ثوب تعددي: عبر إعادة تشكيل التحالفات، وتكثيف الاعتماد على المقاربات الأمنية، وتوسيع مساحات التدخل الخارجي، وإعادة إنتاج التبعية الاقتصادية والمعرفية، وتطبيع منطق الاستثناء والاحتلال والعسكرة. ولذلك، فإن دراسة انعكاسات التحولات الدولية على المنطقة العربية لا ينبغي أن تنطلق من افتراض أن العرب دخلوا عصرًا تعدديًا أكثر توازنًا، بل من سؤالٍ أكثر دقة: إلى أي مدى تمثل التعددية الراهنة انفراجًا حقيقيًا في بنية النظام الدولي، وإلى أي مدى تظل مجرد إعادة توزيع للهيمنة داخل المنطق ذاته؟

وعليه، يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن سؤالين مترابطين: لماذا لم ينتهِ النظام الأحادي رغم كثافة الخطاب عن التعددية الدولية؟ وكيف تنعكس هذه التعددية الترميمية على المنطقة العربية سياسيًا وأمنيًا واستراتيجيًا؟ وللإجابة عن ذلك، يوظف المقال مقاربة تحليلية تجمع بين أدبيات النظام الدولي وأدبيات النقد ما بعد/فكّ الاستعماري، بما يسمح بالتمييز بين انتقال القوة بوصفه تغيرًا في التوزيع، وبين تحول النظام بوصفه تغيرًا في القواعد والمرجعيات ومنطق الشرعية نفسه (McKeil, 2023; Tucker, 2018). وبهذا المعنى، تتمثل مساهمة المقال في أنه لا يكتفي برصد تراجع الأحادية أو صعود بدائلها، بل يحاول الكشف عن أن كثيرًا من هذه البدائل ما زال يعمل داخل البنية التي يدّعي تجاوزها.

وبناءً على ذلك، يجادل المقال بأن العالم لا يعيش اليوم ميلاد نظام دولي جديد بقدر ما يعيش أزمة ممتدة لنظام قديم لم يُحسم مصيره بعد. فالتعددية الجارية لا تبدو، في صورتها الحالية، قادرة على إنتاج عدالة دولية جديدة أو شرعية عالمية بديلة، لأنها لا تزال محكومة، بدرجات متفاوتة، بالمقدمات نفسها التي حكمت الأحادية: مركزية القوة، وأولوية الأمن على العدالة، وتسليع التنمية، وهيمنة المعرفة المعيارية القادمة من المركز، وإعادة تعريف الاستقرار بما يخدم استدامة السيطرة. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في استبدال قوة مهيمنة بأخرى، بل في التفكير في أفقٍ دولي جديد يتجاوز سوءات الأحادية، ويؤسس لنظام أكثر تعددًا وعدلًا وتوازنًا، ويمنح الفاعلين في الجنوب العالمي، ومن بينهم الدول العربية، قدرة أكبر على المشاركة في صياغة قواعد النظام لا مجرد التكيف معها.

الأدبيات والإطار النظري

تتوزع الأدبيات ذات الصلة بسؤال تحولات النظام الدولي على ثلاث اتجاهات رئيسية. الاتجاه الأول يرى أن العالم يشهد تراجعًا للهيمنة الليبرالية الغربية وصعودًا لنمط أكثر تركيبًا من التعدد، بحيث لم يعد من الممكن تفسير السياسة الدولية من خلال مركز واحد يحتكر تعريف الشرعية والقواعد والقيادة. وفي هذا السياق، يطرح أخاريا مفهوم العالم المتعدد التركيبات (multiplex world)، بوصفه عالمًا تتقاطع فيه مراكز القوة والهويات والأقاليم والفاعلون، بما يجعل الانتقال الجاري انتقالًا إلى تعقيد أكبر، لا إلى تعددية قطبية كلاسيكية بالمعنى التاريخي الضيق (Acharya, 2017). كما يرتبط هذا المنظور بدعوته الأوسع إلى “علاقات دولية عالمية” أكثر انفتاحًا على الخبرات غير الغربية، وأكثر نقدًا للاحتكار المعرفي الغربي لمفاهيم النظام والتاريخ والشرعية (Acharya, 2014).

غير أن هذا الاتجاه، على أهميته، لا يكفي وحده لتفسير طبيعة اللحظة الراهنة؛ لأنه يركز على تعدد الفاعلين أكثر من تركيزه على سؤال: هل تغيرت قواعد النظام فعلًا أم تغير فقط توزيع النفوذ داخله؟ وهنا تظهر أهمية الاتجاه الثاني في الأدبيات، وهو الاتجاه الذي يؤكد أن النظم الدولية قد تستمر حتى بعد تراجع القوة المهيمنة التي أنشأتها، لأن المؤسسات والقواعد والمعايير لا تختفي تلقائيًا مع تراجع الراعي الأصلي لها. فقد بيّن كيوهان مبكرًا أن التعاون والمؤسسات يمكن أن يستمرا “بعد الهيمنة”، وأن تراجع المركز المهيمن لا يعني بالضرورة انهيار الأطر المنظمة للتفاعل الدولي (Keohane, 1984). وبالمثل، أوضح إيكنبري أن القوى المنتصرة لا تبني النظام فقط بالقوة، بل أيضًا بتقييد القوة داخل مؤسسات وقواعد تمنح النظام قدرة أكبر على الاستمرار والشرعية (Ikenberry, 2001). ثم عاد لاحقًا ليؤكد أن أزمة النظام الليبرالي الأمريكي هي، إلى حد بعيد، أزمة سلطة وتوزيع أدوار داخل النظام، لا بالضرورة نهاية منطقه العميق (Ikenberry, 2011).

ومن داخل هذا الاتجاه نفسه، تكتسب مساهمة ماككيل أهمية خاصة لأنها تميز بين وجود نظام والانتصار الكامل لمنطق ذلك النظام. فهو يبين أن نظرية النظام الدولي بعد الهيمنة الليبرالية لم تعد قادرة على الافتراض السهل بأن النظام الجديد يولد تلقائيًا من مجرد تراجع القديم، بل إن الجدل النظري المعاصر صار أكثر حساسية لمسألة الاستمرار، والتراكم، والتعايش بين أنماط مختلفة من النظام واللانظام في آن واحد (McKeil, 2023). وتفيد هذه النقطة مباشرة في بناء حجة هذه الورقة، لأنها تفتح المجال لفهم اللحظة الراهنة بوصفها حالة انتقال غير مكتمل، لا قطيعة منجزة.

أما الاتجاه الثالث، فهو أكثر تشككًا في خطاب “نهاية الأحادية” أصلًا، إذ يرى أن كثيرًا من مؤشرات التعددية الجارية قد تخفي استمرارًا واضحًا للتفوق الأحادي، خاصة إذا قيس النظام بميزان القدرات العسكرية المتقدمة، والانتشار الاستراتيجي العالمي، واحتكار بعض أدوات الردع، والسيطرة على البنى التكنولوجية والمالية والمعيارية العليا. وفي هذا الإطار، يجادل رورين بأن الأحادية لم تنتهِ بعد، وأن الحديث عن عالم ما بعد أحادي يسبق، في بعض الأحيان، التحول الفعلي في بنية القوة الصلبة (Røren, 2024). وهذه الأطروحة لا تنقض بالضرورة فكرة التحول، لكنها تحذر من الخلط بين تآكل الهيمنة وسقوطها، وبين كثافة الخطاب حول التعددية وبين تحققها البنيوي الكامل.

على أن الاقتصار على هذه الأدبيات “النظامية” يظل غير كافٍ، لأنه قد يعيد إنتاج النقاش داخل المفردات نفسها التي أنشأتها الخبرة الغربية الحديثة. من هنا تأتي أهمية أدبيات فك الاستعمار في العلاقات الدولية، التي لا تسأل فقط: من يملك القوة؟ بل تسأل أيضًا: كيف تُعرَّف القوة؟ ومن يعرّف النظام؟ وبأي لغة ومعايير تُصنَّف الشرعية، والتنمية، والاستقرار، والمعرفة؟ في هذا المسار، يؤكد تاكر أن الاستعمارية لا تستمر فقط عبر السياسة والاقتصاد، بل أيضًا عبر أنماط إنتاج المعرفة والرؤية والمنهج، وأن تفكيكها يتطلب الاشتغال على العلاقات المعرفية والعرقية والسياسية التي ما زالت تُعيد إنتاج التراتب العالمي (Tucker, 2018). كما تذهب روخاس إلى أن منطق “الدولي” الحديث نفسه يحمل في داخله نزوعًا كونيًا استبعاديًا، وتقترح بدلًا من ذلك أفقًا علائقيًا تعدديًا أقرب إلى “البلوريفيرس” أو العالم المتعدد العوالم، لا العالم الذي يستوعب الجميع داخل نموذج واحد مهيمن (Rojas, 2016).

وتفيد هذه الأدبيات النقدية في تصحيح افتراض شائع في دراسات التحول الدولي، وهو أن صعود قوى غير غربية يعني بالضرورة تراجع المنطق الكولونيالي أو فتح أفق أكثر عدالة. فليست كل تعدديةٍ فكًا للاستعمار، وليست كل منافسةٍ للغرب تجاوزًا للهيمنة. إذ قد تظهر “بدائل” تنافس المركز الغربي، لكنها تظل تعمل داخل التصورات نفسها عن الدولة، والأمن، والتقدم، والسيطرة، والضبط الاجتماعي، بل وقد تعيد إنتاجها بأدوات مختلفة. ومن هنا، فإن القيمة التفسيرية لمقاربة فك الاستعمار لا تكمن فقط في نقد الغرب، بل أيضًا في اختبار البدائل الصاعدة نفسها: هل تغير القواعد فعلًا أم تعيد تدويرها؟ وهل تنتج عدالة أوسع أم تنقل مركز الهيمنة من يد إلى أخرى؟

وهنا تحديدًا تتقاطع الأدبيات الأكاديمية مع ما ورد في وثيقتين مرجعيتين، هما تقرير الندوة المغلقة والوثيقة التمهيدية المشار إليهما في قائمة المراجع. فكلتاهما تنطلقان من فكرة أن الانتقال من “إجماع واشنطن” إلى “إجماع بكين”، أو إلى مقاربات أمنية/حربية، أو حتى إلى صيغ جديدة من إعادة الاستعمار، لا يرقى بالضرورة إلى تأسيس نظام عالمي جديد، لأن هذه الأطر قد تبقي “المنطق الكولونيالي الأعمق” دون مساءلة. كما شددت مناقشات الندوة على أن التحدي ليس استبدال هيمنة بأخرى، بل تفكيك المقدمات المعرفية والأخلاقية والمؤسسية التي تسمح للهيمنة بأن تُعاد صياغتها كل مرة في ثوب جديد، بما في ذلك عبر اللغة، والاقتباس المعرفي، والتكنولوجيا، والأمن، ومسألة فلسطين بوصفها كاشفًا مركزيًا لاستمرار منطق إعادة الاستعمار.

وانطلاقًا من هذا التراكم النظري، تقترح هذه الورقة مفهوم التعددية الترميمية بوصفه إطارها التحليلي المركزي. ويُقصد به حالةٌ لا ينهار فيها النظام الأحادي بصورة كاملة، ولا تنشأ فيها تعددية بديلة ذات قواعد جديدة، بل تُعاد فيها هندسة النفوذ داخل البنية القائمة عبر تعدد المراكز والوسائط والأدوات، مع بقاء كثير من الأسس القديمة على حالها. وبعبارة أخرى، فالتعددية الترميمية ليست تعددية تأسيسية، بل تعددية تعمل على إصلاح قابلية النظام القديم للاستمرار بعد أن أصابه التآكل. ولذلك فهي تسمح بوجود تنافس حاد بين القوى الكبرى، لكنها لا تعني بالضرورة انبثاق عدالة دولية جديدة، ولا تصحيحًا تلقائيًا لاختلالات الشرعية والتمثيل والمعرفة.

ويقوم هذا الإطار على أربعة مستويات تحليلية مترابطة. أولًا، المستوى المؤسسي: هل تغيرت المؤسسات وقواعد الحوكمة العالمية أم جرى فقط توسيع دائرة المستفيدين منها؟ ثانيًا، المستوى الاستراتيجي/الأمني: هل أدى تعدد القوى إلى تقليص منطق التدخل والاستثناء والعسكرة، أم إلى إعادة توزيعه؟ ثالثًا، المستوى المعرفي/الخطابي: هل نحن أمام تعدد حقيقي في مصادر تعريف العالم ومشكلاته، أم أمام استمرار مركزية اللغة، والمعيار والنشر والتصنيف؟ رابعًا، المستوى الأخلاقي/السياسي: هل تنتج البدائل الصاعدة تصورًا أوسع للعدالة والكرامة الإنسانية، أم تظل أسيرة أولوية السيطرة والاستقرار على حساب التحرر؟ وميزة هذا الإطار أنه يميز بين انتقال القوة بوصفه تغيرًا في التوزيع، وبين تحول النظام بوصفه تغيرًا في المنطق المؤسس.

وبذلك، لا تتعامل هذه الورقة مع المنطقة العربية بوصفها ميدانًا ثانويًا لتطبيق النظرية، بل بوصفها مساحة اختبار مركزية لهذا الإطار. فالمنطقة العربية تُظهر، بدرجة عالية من الوضوح، كيف يمكن لتراجع الأحادية أن يتعايش مع استمرار المنطق الأحادي: عبر إعادة إنتاج التبعية، وتكثيف التحالفات الوظيفية، وتوسيع الأمننة، والتفاوت في السيادة، وشرعنة بعض أشكال الاحتلال أو التدخل أو الاستثناء تحت عناوين جديدة. ومن ثم، فإن تحليل انعكاسات التحول الدولي على المنطقة العربية، في ضوء مفهوم التعددية الترميمية، يسمح بفهم أدق للفجوة بين الخطاب العالمي عن التعددية وبين الواقع الفعلي لبنية السلطة في الإقليم.

وعليه، يمكن تلخيص الموقف النظري الذي تتبناه الورقة في الآتي: الأدبيات السائدة نجحت في تفسير جوانب مهمة من تآكل الهيمنة الأحادية وصعود التعقيد الدولي، لكنها لم تحسم بما يكفي الفرق بين ما بعد الأحادية وما بعد الهيمنة وما بعد الاستعمار. ولذلك تأتي هذه الورقة لتقترح أن اللحظة الراهنة ليست لحظة “نظام جديد” بالمعنى الكامل، بل لحظة صراع بين ترميمات متعددة للنظام القديم، وهو ما يفسر لماذا لم تنتهِ الأحادية فعليًا، ولماذا تبدو التعددية القائمة عاجزة، حتى الآن، عن إنتاج أفق دولي أكثر عدلًا وتوازنًا.

المنهجية

تعتمد هذه الدراسة منهجًا نوعيًا تفسيريًا يهدف إلى بناء الحجة النظرية وصقلها أكثر من سعيه إلى اختبار علاقة سببية خطية أو قياس كمي للتحولات الجارية في النظام الدولي. ويناسب هذا الاختيار طبيعة سؤال البحث، لأنه لا ينصب فقط على ما إذا كانت موازين القوة قد تغيّرت، بل على ما إذا كان هذا التغيّر قد أفضى فعلًا إلى تحول في منطق النظام أم اقتصر على إعادة توزيع النفوذ داخله. ومن ثم، تستند الورقة إلى تقاليد دراسة الحالة وتطوير النظرية والتتبّع السببي/العملي (process tracing) بوصفها أدوات مناسبة لتحليل التحولات المعقدة والمتداخلة، وربط التغيرات البنيوية بالممارسات الإقليمية والخطابات السائدة حول النظام الدولي.

ويقوم التصميم البحثي على الجمع بين ثلاثة مستويات من المادة التحليلية. المستوى الأول هو الأدبيات النظرية المتعلقة بالأحادية، وما بعدها، والتعددية/المركبية، واستمرار النظام الليبرالي أو تآكله، والنقد الديكولونيالي للعلاقات الدولية. والمستوى الثاني هو وثيقتان غير منشورتين مشار إليهما في قائمة المراجع ( هما نتاج ورشة مغلقة دعى لها الباحث انعقدت في جامعة حمد بن خليفة بقطر في الخامس من فبراير 2026) ، وقد استُخدمتا بوصفهما جزءًا من الخلفية المفاهيمية للورقة؛ إذ تؤكدان أن الانتقال من “إجماع واشنطن” إلى “إجماع بكين”، ثم إلى المقاربات الأمنية والحربية والاستعمارية، لم يفضِ بالضرورة إلى تجاوز المنطق الكولونيالي العميق، بل أبقى كثيرًا من مقدماته من دون مساءلة، مع طرح بديل قيمي يقوم على التعدد والقبول الاجتماعي والتعايش بدل مجرد استبدال هيمنة بأخرى. أما المستوى الثالث فهو قراءة تطبيقية للمنطقة العربية بوصفها ساحة اختبار مركزية لهذه الفرضية.

وعمليًا، توظف الدراسة مقارنة نوعية مركزة بين ثلاثة مجالات إقليمية مترابطة داخل المجال العربي: أولًا، الخليج بوصفه فضاءً تتجلى فيه بوضوح مسألة تنويع الشراكات و”الاستقلالية” الجديدة؛ ثانيًا، المشرق وبؤر الصراع الممتدة منذ غزو العراق 2003 وما تلاه من إعادة تركيب للتوازنات والتحالفات؛ وثالثًا، فلسطين بوصفها الحالة الأكثر كثافة في كشف استمرار منطق الأمننة، والاستثناء، وإعادة الاستعمار داخل خطاب عالمي يدّعي الانتقال إلى تعددية أوسع. والغاية من هذا الاختيار ليست تقديم مسح شامل لكل دول المنطقة، بل تتبع الآليات التي تجعل من “التعددية” الجارية تعدديةً ترميمية: أي تنويعًا في الرعاة والشركاء والوسائط، من دون تغيير جوهري في القواعد الحاكمة أو في هرمية الشرعية والسيادة.

وبناءً على ذلك، تتمحور القراءة التطبيقية حول ثلاثة أسئلة إجرائية: هل أدى تغير التوزيع الدولي للقوة إلى توسيع الاستقلال الاستراتيجي العربي فعلًا؟ هل خفّف من مركزية الأمننة والعسكرة في إدارة الإقليم؟ وهل أتاح تحولًا حقيقيًا في أنماط المعرفة والشرعية والمؤسسية، أم أبقى المنطقة داخل بنية تبعية قديمة بصيغ أكثر مرونة؟ ومن خلال هذه الأسئلة، تسعى المنهجية إلى تمييز التغير في المظهر عن الاستمرار في البنية؛ أي بين الانفتاح على شركاء متعددين وبين قيام نظام دولي بديل بالفعل.

التحليل الخاص بالمنطقة العربية

تُظهر المنطقة العربية بوضوح أن الحديث عن “نهاية الأحادية” لا يعني بالضرورة نشوء نظام إقليمي أكثر عدالة أو استقلالًا. فمنذ غزو العراق عام 2003، دخل الإقليم طورًا جديدًا من إعادة التشكل؛ إذ تصفه لويز فاوست بأنه منعطف حرج أعاد صياغة الاصطفافات الدولية، وتوازنات القوى، والبيئة المؤسسية في الشرق الأوسط، بينما يصف غاوس الإقليم بأنه فضاء لتعددية قوى وأيديولوجيات لا تنتج توازنًا مستقرًا بقدر ما تنتج اصطفافات مرنة ومنافسات مفتوحة. وتفيد هاتان المقاربتان في دعم أطروحة هذه الورقة: فالذي تغير في المنطقة لم يكن فقط عدد الفاعلين المؤثرين، بل أيضًا كثافة التزاحم على الإقليم، من دون أن يقترن ذلك بولادة قواعد إقليمية جديدة تضبط هذا التنافس على نحو عادل ومتوازن.

وفي الخليج العربي تحديدًا، يبدو المشهد لأول وهلة وكأنه يعكس صعودًا واضحًا للاستقلالية العربية. فالأدبيات الحديثة تشير إلى أن بعض دول الخليج باتت تمارس سياسات تحوّط/موازنة مرنة (hedging) في ظل التنافس الأمريكي–الصيني، وأنها لم تعد تحصر خياراتها في شريك أمني أو اقتصادي واحد. كما تؤكد دراسات أحدث أن الخليج يشهد مظاهر لافتة من الاستقلالية الذاتية وتوسيع الهامش التفاوضي مع القوى الكبرى. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني، بالضرورة، نهاية البنية الأحادية؛ إذ يبين روبرتس أن الانسحاب الأمريكي الظاهر يتعايش مع استمراريات كامنة تشمل الاعتماد التقني، والبنية التحتية العسكرية، والمعايير التدريبية والمعرفية، وهو ما يسميه نوعًا من الهيمنة المتبقية أو residual hegemony. وبعبارة أخرى، فإن تنويع الشراكات في الخليج قد يوسّع هامش الحركة، لكنه لا يرقى وحده إلى تحرير بنيوي من النظام السابق.

أما على مستوى إدارة الأمن والصراع، فإن المنطقة العربية تكشف بوضوح أن التعددية الجارية لم تُضعف منطق الأمننة، بل أعادت إنتاجه بأدوات وفاعلين متنوعين. ويشير تقرير الندوة المغلقة غير المنشور إلى أن “الإجماع الحربي” و”إعادة الاستعمار” والاحتلال والإقصاء ما تزال حاضرة بوصفها صيغًا حية لإدارة النظام الدولي، لا مجرد بقايا من الماضي. ويتقاطع ذلك مع تحليل فاوست، الذي يبين أن ما بعد العراق لم يؤدِ إلى بناء نظام إقليمي أكثر انتظامًا، بل ساهم في تكريس تسييس الهويات، وأمننة الانقسامات، وعودة النزعات السلطوية/المضادة للثورات. وفي هذا السياق، لا تبدو فلسطين قضية هامشية داخل التحول الدولي، بل تظهر بوصفها كاشفًا مركزيًا لحدود التعددية الراهنة: إذ ما يزال منطق الاحتلال والاستثناء والعنف المشرعن قادرًا على الاستمرار داخل بيئة عالمية تزعم أنها تجاوزت الأحادية.

لكن التحليل لا ينبغي أن ينتهي إلى تصوير المنطقة العربية بوصفها مجرد موضوع سلبي لتنافس القوى الكبرى. فبعض الدول العربية، ولا سيما في الخليج، طورت خلال العقد الأخير أشكالًا من الوكالة المرنة عبر الوساطة، والدبلوماسية الإنسانية، والدبلوماسية المتخصصة، وبناء أدوار “قوة وسطى” أو “دولة صغيرة ذات وظيفة نوعية”. ويُظهر عمل سلطان بركات أن قطر قدّمت نموذجًا لدولة صغيرة تستخدم الدبلوماسية الإنسانية في بناء موقعها ضمن مجال الحماية والوساطة، بينما يبين شازيزا ولتمار أن الإمارات توسع حضورها من خلال دبلوماسية تخصصية تسعى إلى تعظيم النفوذ في بيئة إقليمية ودولية متغيرة. كما ينسجم هذا مع أطروحة أخاريا وزميليه عن تزايد القدرة التفاعلية لدى القوى المتوسطة والصغرى في العالم المتحوّل. غير أن هذه الوكالة، على أهميتها، تبقى في الأغلب وكالة وظيفية لا تأسيسية: أي أنها تحسن تموضع بعض الدول العربية داخل النظام القائم، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير القواعد التي تحكمه.

وتتأكد حدود هذا التحول أكثر عندما ننتقل من الأمن والتحالفات إلى مجالات الاقتصاد والمعرفة واللغة. فالتقرير المشار اليه يلفت الانتباه إلى أن الهيمنة لا تعمل فقط عبر الجيوش والقواعد، بل أيضًا عبر العقوبات، والهندسة الاقتصادية، واللغة، واقتصاد الاقتباس الأكاديمي، وتراتبية النشر والمعيارية. وهذا البعد شديد الصلة بالمنطقة العربية، حيث يتواصل إنتاج التبعية من خلال مؤسسات التمويل، وأطر “الاستقرار” و”التنمية”، وهرمية اللغة والمعرفة، بما يجعل كثيرًا من الانفتاح على الشرق أو الجنوب العالمي انفتاحًا داخل بنية معرفية لا تزال غير متكافئة. وتدعم أدبيات فك الاستعمار هذا الاستنتاج حين تؤكد أن الاستعمارية لا تستمر فقط في توزيع القوة، بل في تعريف ما هو مشروع، وما هو حديث، وما هو صالح للتداول المعرفي والسياسي. وبذلك، فإن استمرار التبعية المعرفية والمؤسسية يفسر لماذا تستطيع المنطقة أن تبدو “أكثر تعددية” خارجيًا، لكنها تظل “أقل تحررًا” بنيويًا.

ومحصلة ذلك أن المنطقة العربية لا تدخل، في المرحلة الراهنة، عصرًا تعدديًا مستقرًا بقدر ما تعيش داخل تعددية ترميمية: تتعدد فيها الشراكات، وتتسع فيها هوامش المناورة لبعض الدول، وتتراجع فيها القدرة الغربية على الانفراد الكامل، لكن من دون أن ينكسر منطق السيطرة ذاته. وهذا يفسر التعايش بين ظواهر تبدو متناقضة: انفتاح على قوى جديدة مع بقاء الاعتماد الأمني والتقني القديم؛ تصاعد أدوار عربية وسطى وصغرى مع استمرار تفاوت السيادة؛ وتكاثر خطابات التعددية في وقت تتواصل فيه ممارسات الاستثناء والاحتلال والأمننة. لذلك، فإن انعكاس التحولات الدولية على المنطقة العربية لا يتمثل، في الوقت الراهن، في التحرر من الأحادية، بل في إعادة توزيع آثارها داخل بيئة أكثر ازدحامًا وأقل وضوحًا.

النتائج والمناقشة

تكشف نتائج التحليل أن التحول الجاري في النظام الدولي لم يُنتج، في انعكاساته على المنطقة العربية، قطيعةً فعلية مع منطق الأحادية، بل أفضى إلى إعادة توزيع النفوذ داخل البنية نفسها التي حكمت الإقليم منذ نهاية الحرب الباردة. فالتغير الأوضح لا يتمثل في استبدال مركز واحد بمنظومة بديلة ذات قواعد جديدة، وإنما في اتساع عدد الفاعلين القادرين على التدخل والمنافسة والتأثير داخل بيئة لا تزال محكومة بالأمننة، وتفاوت السيادة، وهرمية الشرعية الدولية. وبهذا المعنى، تؤكد المنطقة العربية أن تراجع الانفراد الأميركي النسبي لا يساوي تلقائيًا ميلاد تعددية تأسيسية، بل قد يعني فقط دخول النظام الأحادي طورًا أكثر مرونة وتعقيدًا من الاستمرار. وتنسجم هذه النتيجة مع الأدبيات التي تميز بين تآكل الهيمنة وبين انهيارها الكامل، ومع الطرح القائل بأن الأحادية لم تنتهِ بعد إذا قيس النظام بميزان القدرات العسكرية المتقدمة والبنى الاستراتيجية العميقة(Røren, 2024; McKeil, 2023) .

وتظهر النتيجة الأولى في أن التعددية الراهنة في المنطقة العربية هي تعددية في الرعاة والشركاء أكثر منها تعددية في القواعد. فقد أتاح التحول الدولي لبعض الدول العربية، خصوصًا في الخليج، تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، وتوسيع هامش المناورة بين الولايات المتحدة والصين وفاعلين آخرين. غير أن هذا التوسع لم يصاحبه تحول موازٍ في البنية العميقة للأمن الإقليمي؛ إذ ما زالت البنى العسكرية والتقنية، وأنماط التدريب، وسلاسل التوريد الاستراتيجي، ومجالات الحماية والردع، مرتبطة بدرجات كبيرة بإرث الهيمنة الأمريكية. ولذلك فإن ما يبدو استقلاليةً متزايدة قد يكون، في جوهره، استقلالية تفاوضية داخل الاعتماد البنيوي لا تحررًا كاملاً منه. وهذا ما يدعم حجة “التعددية الترميمية” بوصفها توصيفًا أدق من الحديث الفضفاض عن تعددية قطبية منجزة (Roberts, 2025; Fawcett, 2023).

أما النتيجة الثانية فتتمثل في أن تراجع الأحادية لم يُضعف منطق الأمننة والعسكرة في الإقليم، بل أعاد تدويره. فبدلاً من أن يقود تعدد الفاعلين إلى تقليص التدخل الخارجي أو إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر توازنًا، أفضى غالبًا إلى ازدحام استراتيجي تتعايش فيه شبكات الردع، والتحالفات المرنة، والوساطات المرحلية، والتدخلات غير المباشرة. وقد أسهمت هذه البيئة في استمرار التعامل مع أزمات المنطقة بوصفها ملفات أمنية بالدرجة الأولى، لا قضايا عدالة سياسية أو إعادة بناء تعاقدي. وهنا تتأكد أهمية ما طرحته الوثيقتان المشار إليهما في قائمة المراجع من أن المقاربات “الحربية” و”الأمنية” و”إعادة الاستعمار” ليست بدائل حقيقية للنظام السابق، بل تمثل امتدادات مختلفة للمنطق ذاته، لأن ما يتغير هو أداة الإدارة لا فلسفة الإدارة نفسها. وفي هذا الإطار، لا تبدو فلسطين حالة استثنائية عن الإقليم، بل المثال الأوضح على استمرار قابلية النظام الدولي لتطبيع الاحتلال والاستثناء والعنف المشرعن حتى في لحظة يُقال فيها إن العالم دخل عصر ما بعد الأحادية.

وتتعلق النتيجة الثالثة بمسألة الوكالة العربية. فالتحليل لا يؤيد القراءة التي تختزل المنطقة في كونها مجرد موضوع سلبي لتنافس القوى الكبرى؛ إذ تكشف السنوات الأخيرة عن توسع نسبي في قدرة بعض الدول العربية على المناورة، وإدارة الوساطات، وتوظيف المكانة الاقتصادية أو الإنسانية أو الدبلوماسية لبناء أدوار إقليمية ودولية أكثر مرونة. غير أن هذه الوكالة، على أهميتها، بقيت في معظمها وكالة تموضع لا وكالة تأسيس. فهي حسّنت شروط الحركة لبعض الفاعلين العرب داخل النظام القائم، لكنها لم تُنتج حتى الآن تصورًا عربيًا جماعيًا قادرًا على التأثير في قواعد النظام أو إعادة تعريف أولوياته. ولذلك فإن أقصى ما حققته هذه الوكالة، في أغلب الحالات، هو تخفيف كلفة التبعية أو إعادة التفاوض عليها، لا تجاوزها. وهذه النتيجة منسجمة مع الأدبيات التي ترى أن العالم الراهن يتسم بارتفاع القدرة التفاعلية لبعض الفاعلين غير الغربيين، ولكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء نظام بديل مكتمل (Acharya, 2017).

وتقودنا النتيجة الرابعة إلى البعد المعرفي والمؤسسي، وهو بعد بالغ الأهمية في تفسير استمرار الأحادية داخل التعددية الظاهرة. فالتقرير المشار اليه شدد على أن السيطرة لا تُمارس فقط عبر الجيوش والتحالفات، بل أيضًا عبر اللغة، ونظم الاقتباس الأكاديمي، وهرمية النشر، والاقتصاد المعرفي، والعقوبات، وآليات الحوكمة العالمية. وهذا يعني أن أي تحليل لتحولات النظام الدولي يظل ناقصًا إذا حصر الاهتمام في ميزان القوة المادية وحده. فالمنطقة العربية قد تنوّع شركاءها التجاريين أو الاستراتيجيين، لكنها تبقى في كثير من الأحيان أسيرة بنى معيارية ومعرفية تحدد ما هو “عقلاني”، وما هو “تنموي”، وما هو “مقبول” دوليًا. ومن هنا تكتسب مقاربات فك الاستعمار أهميتها، لأنها تساعد على فهم كيف تستمر الاستعمارية داخل المؤسسات والخطابات والمعايير حتى حين يتراجع المركز الغربي أو ينافسه آخرون. وعليه، فإن بقاء التبعية المعرفية واللغوية والمؤسسية يفسر لماذا لا تتحول التعددية الظاهرة تلقائيًا إلى عدالةٍ دولية أوسع أو إلى استقلالٍ استراتيجي أعمق (Tucker, 2018).

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن المنطقة العربية تكشف التناقض الداخلي للتعددية الراهنة: فهي من جهة تستفيد من اتساع هامش الحركة، وتعدد الشركاء، وانخفاض القدرة الغربية على الانفراد الكامل؛ لكنها من جهة أخرى لا تزال تعمل داخل بنية دولية لم تتغير قواعدها الأساسية بالقدر الكافي. ولذلك فإن التعددية الجارية لم تفضِ إلى تخفيف جوهري لمنطق السيطرة، بل إلى إعادة توزيعه بين فاعلين أكثر عددًا وأدوات أكثر تنوعًا. وهذا ما يجعل توصيف اللحظة الراهنة بوصفها “ما بعد أحادية” توصيفًا جزئيًا ومضللًا إذا لم يُقرن بسؤال أعمق عن طبيعة النظام البديل: هل تغيّر حقًا، أم أنه فقط صار أكثر ازدحامًا؟ والنتيجة التي تميل إليها هذه الورقة هي أن ما نشهده حتى الآن أقرب إلى ترميم النظام السابق منه إلى تأسيس نظام عالمي جديد، وهو ما يفسر بقاء كثير من أزمات المنطقة العربية ضمن المنطق نفسه الذي حكمها خلال العقود الماضية، وإن بأشكال أكثر تشابكًا وتعقيدًا (Røren, 2024; Roberts, 2025; Tucker, 2018).

الخاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى أن السؤال الصحيح ليس ما إذا كانت الأحادية قد ضعفت، بل ما إذا كان ضعفها قد أفضى إلى نظام جديد بالفعل. ومن خلال تحليل الأدبيات، وثيقتين مرجعيتين غير منشورتين مشار إليهما في قائمة المراجع، والتجليات الإقليمية في المنطقة العربية، بينت الورقة أن التعددية الجارية لا تزال، إلى حد كبير، تعددية ترميمية: أي صيغة تعيد توزيع النفوذ داخل البنية القديمة من دون أن تتجاوز أسسها المعرفية والمؤسسية والأمنية والأخلاقية. ولذلك فإن ما يبدو انتقالًا من الأحادية إلى التعددية ليس، في اللحظة الراهنة، انتقالًا مكتملًا إلى نظام أكثر عدالة، بل إدارة جديدة لأزمة النظام القديم بأدوات أكثر تنوعًا.

كما بينت الورقة أن المنطقة العربية ليست هامشًا لهذا التحول، بل هي إحدى ساحاته الكاشفة. ففيها يظهر بوضوح أن تنويع التحالفات لا يعني بالضرورة استقلالًا بنيويًا، وأن اتساع هامش المناورة لا يعني تغير القواعد الحاكمة، وأن تراجع المركز الواحد قد يتعايش مع استمرار منطق الأمننة، والتفاوت في السيادة، والتبعية المعرفية والمؤسسية. ومن ثم، فإن أي قراءة متفائلة للتعددية الراهنة، ما لم تنتبه إلى هذه الحدود، ستنتهي إلى المبالغة في تقدير حجم التحول الجاري وفي تقدير ما يتيحه للمنطقة العربية من فرص حقيقية.

وعليه، فإن المخرج النظري والسياسي الذي تقترحه هذه الدراسة لا يتمثل في البحث عن “هيمنة بديلة”، ولا في الاكتفاء بتحسين شروط التكيّف مع التنافس الدولي القائم، بل في الإسهام في تصورٍ عالمي جديد يتجاوز سوءات الأحادية ذاتها. وهذا يقتضي، بالنسبة إلى المنطقة العربية، الجمع بين تنويع الشراكات من جهة، وبناء رؤية أكثر استقلالًا للعدالة والأمن والتنمية والمعرفة من جهة أخرى، بحيث لا تصبح التعددية مجرد تغيير في أسماء الرعاة، بل مدخلًا لإعادة تعريف موقع الإقليم في النظام الدولي على أسس أكثر توازنًا وكرامة وفاعلية. ومن هنا، فإن القيمة الأساسية لمفهوم “التعددية الترميمية” تكمن في أنه يساعد على تسمية اللحظة الراهنة بدقة، ويمكّن من التمييز بين التعدد كازدحام في مراكز القوة والتعدد كتحول فعلي في قواعد النظام العالمي.

قائمة المراجع

Acharya, A. (2017). After liberal hegemony: The advent of a multiplex world order. Ethics & International Affairs, 31(3), 271–285. https://doi.org/10.1017/S089267941700020X

Acharya, A., Estevadeordal, A., & Goodman, L. W. (2023). Multipolar or multiplex? Interaction capacity, global cooperation and world order. International Affairs, 99(6), 2339–2365. https://doi.org/10.1093/ia/iiad242

Aydın, S. (2026, February 5). Beyond Great Power Dominations: Toward a Decolonial Consensus? [Invitation letter]. College of Islamic Studies, Hamad Bin Khalifa University.

Bakir, A., & Al-Shamari, N. (2025). The art of hedging: Qatar, Saudi Arabia, and the UAE manoeuvres amid US–China great power competition. Third World Quarterly, 46(7), 773–794. https://doi.org/10.1080/01436597.2025.2509574

Barakat, S. (2024). Niche small states in humanitarian diplomacy: Qatar’s positionality in the protection ecosystem. International Review of the Red Cross, 106(926), 585–609.

Bennett, A., & Checkel, J. T. (Eds.). (2015). Process tracing: From metaphor to analytic tool. Cambridge University Press.

Buzan, B. (2023). Making global society. Cambridge University Press.

Fawcett, L. (2023). The Iraq War 20 years on: Towards a new regional architecture. International Affairs, 99(2), 567–585. https://doi.org/10.1093/ia/iiad002

Gause, F. G., III. (2017). Ideologies, alignments, and underbalancing in the new Middle East Cold War. PS: Political Science & Politics, 50(3), 672–675. https://doi.org/10.1017/S1049096517000373

George, A. L., & Bennett, A. (2005). Case studies and theory development in the social sciences. MIT Press.

Gerring, J. (2007). Case study research: Principles and practices. Cambridge University Press.

Hamad Bin Khalifa University. (2026). Beyond Great Power Dominations: Toward a Decolonial Consensus? [Closed-door roundtable report, unpublished].

Ikenberry, G. J. (2001). After victory: Institutions, strategic restraint, and the rebuilding of order after major wars. Princeton University Press.

Ikenberry, G. J. (2011). Liberal Leviathan: The origins, crisis, and transformation of the American world order. Princeton University Press.

Keohane, R. O. (1984). After hegemony: Cooperation and discord in the world political economy. Princeton University Press.

King, G., Keohane, R. O., & Verba, S. (1994). Designing social inquiry: Scientific inference in qualitative research. Princeton University Press.

McKeil, A. (2023). Order without victory: International order theory before and after liberal hegemony. International Studies Quarterly, 67(1), sqad002. https://doi.org/10.1093/isq/sqad002

Roberts, D. B. (2025). The Gulf’s evolving security mosaic: Balancing the manifest retrenchment and latent influence of the United States. International Affairs, 101(6), 2193–2214. https://doi.org/10.1093/ia/iiaf183

Rojas, C. (2016). Contesting the colonial logics of the international: Toward a relational politics for the pluriverse. International Political Sociology, 10(4), 369–382. https://doi.org/10.1093/ips/olw020

Røren, P. (2024). Unipolarity is not over yet. Global Studies Quarterly, 4(2), ksae018. https://doi.org/10.1093/isagsq/ksae018

Tucker, K. (2018). Unraveling coloniality in international relations: Knowledge, relationality, and strategies for engagement. International Political Sociology, 12(3), 215–232. https://doi.org/10.1093/ips/oly005

العودة إلى الأرشيف الإعلامي