في رثاء الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
يرثي د. مصطفى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ويستعيد تجربته في بناء الدولة الحديثة، ونموذجه في الانتقال السلمي للسلطة، ولقاءاته الشخصية به، ودوره في دعم السلام والتنمية في السودان.

13 يوليو 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
في صباح يوم الأحد 12 يوليو 2026، فُجع العالم برحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله رحمة واسعة، بعد حياة حافلة بالعطاء والقيادة والبصيرة. مضى إلى ربه بعد أن أدّى الأمانة قائدًا، ومفكرًا، وإنسانًا، وحاكمًا استثنائيًا ترك أثره في وطنه وأمته والعالم من حوله. وبرحيله لا تفقد قطر رجل دولة فحسب، بل تفقد مدرسة في القيادة الرشيدة، والرؤية البعيدة، والوفاء للقيم، والإيمان بأن مكانة الدول لا تقاس بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بما تقدمه من أثر، وما تبنيه من مؤسسات، وما تنهض به من دور في خدمة الإقليم والعالم.
كان الأمير الوالد قائدًا جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العصر، وبين ترسيخ الثوابت الوطنية وبناء دولة حديثة واثقة بنفسها. وقد استطاع، برؤية استراتيجية واضحة، أن ينقل دولة قطر إلى مرحلة جديدة من الحضور السياسي والتنموي والثقافي، وأن يجعل منها نموذجًا عربيًا ملهمًا في بناء الدولة الحديثة. وحين كتبت قبل سنوات كتابي باللغة الإنجليزية عن القيادة الاستراتيجية في السلام والتنمية وحل النزاعات، اخترت سموه ضمن الشخصيات التي تستحق أن تُدرس تجربتها؛ لأنه قدّم نموذجًا فريدًا في بناء الوطن، وصناعة الحضور الدولي، وإدارة التحول بهدوء وثقة وبعد نظر.
لقد تجلت رؤيته في مشاريع كبرى أصبحت علامات فارقة في مسيرة قطر الحديثة: قناة الجزيرة بوصفها مشروعًا إعلاميًا عربيًا عالميًا سابقًا لعصره، واستضافة كأس العالم 2022 لأول مرة في بلد عربي بما حملته من دلالات حضارية وثقافية، ومطار حمد الدولي بما مثله من نقلة استراتيجية في ربط قطر بالعالم، ومشروع المترو بما عكسه من تخطيط حضري متقدم وإرادة في بناء المستقبل. ولم تقف رؤيته عند حدود البنية التحتية، بل امتدت إلى ترسيخ الدستور الدائم، وتعزيز التعليم والصحة، وبناء سياسة خارجية متوازنة تقوم على الوساطة، ودعم السلم، وفض النزاعات، والانفتاح على الجميع دون التفريط في الثوابت.
ومن أعظم ما يُذكر له، في تقديري، ذلك النموذج النادر الذي قدّمه في الانتقال السلمي للسلطة وهو في قمة عطائه وحضوره. فقد قدّم للأمة درسًا بليغًا في أن قوة الدولة لا تقوم على بقاء الأشخاص، بل على رسوخ المؤسسات، وأن تداول المسؤولية بين الأجيال ليس ضعفًا، بل علامة نضج وثقة وبصيرة. كان ذلك الموقف، في عالمنا العربي، رسالة عميقة المعنى، تؤكد أن القيادة الحقّة هي التي تؤمّن مستقبل الوطن، لا التي تتشبث بالموقع.
أما على المستوى الشخصي، فقد عرفت سمو الأمير الوالد منذ أن توليت مسؤولية وزير دولة بوزارة الخارجية السودانية عام 1996، ثم خلال مراحلي اللاحقة وزيرًا للخارجية، ثم مستشارًا لرئيس الجمهورية، ثم وزيرًا للاستثمار، فسفيرًا لدى الأمم المتحدة في جنيف، وأخيرًا أستاذًا بجامعة حمد بن خليفة. وخلال هذه المسيرة ظللت على تواصل معه، ووجدت فيه إنسانًا كبيرًا قبل أن يكون قائدًا كبيرًا. كان مثالًا للتواضع، قريبًا من الناس، عذب الحديث، حاضر الذهن، يفيض إنسانية، ويُشعرك في لقائك به بأنك أمام رجل دولة يعرف قدر الناس ويحسن الإصغاء إليهم.

وفي المؤتمرات الإقليمية والدولية، كان يحرص على أن يلتقي بنا كوزراء خارجية بعيدًا عن مظاهر التكلف، يتبادل معنا الرأي، ويصغي إلى وجهات النظر المختلفة بعقل متفتح وحكمة مجرّبة. كنا نرى فيه تواضع القائد، وحكمة الخبير، وإنسانية الأمير. وحين كنت أزور الدوحة في مهمات رسمية، كان يضفي على اللقاء روحًا من الأنس والفكاهة والدفء الإنساني تخرجك من الرسميات إلى أفق الود الصادق. وهذه خصلة لا يملكها إلا الكبار الذين تستقر العظمة في نفوسهم فلا يحتاجون إلى إظهارها.
وكان، رحمه الله، محبًا للسودان وأهله، شديد الاهتمام بأحواله، دائم السؤال عنه، حزينًا لما أصابه من أزمات وكوارث في السنوات الأخيرة. وحتى في أيامه الأخيرة، كان يرسل يسأل عن السودان وتطوراته، ويستدعي من يثق بهم ليسمع منهم مباشرة. وقد لمست في ذلك وفاءً نادرًا وصدق اهتمام لا تصنعه المجاملات. ولعل من أكثر ما كان يبعث الأمل في نفسي قوله المتكرر بثقة وطمأنينة: إن السودان سيعود أفضل مما كان. كانت تلك الكلمات، في زمن المحنة، تحمل من الإيمان ما يتجاوز حدود السياسة إلى رحابة الأخوة والوفاء.
أما عن إسهامه في دعم السودان، فذاك باب واسع يصعب الإحاطة به في كلمات قليلة. فقد كان له دور مشهود في دعم السلام والتنمية، سواء في دارفور من خلال اتفاقية الدوحة وما أعقبها من مشروعات ومبادرات، أو في شرق السودان، حيث كنت أقود وفد الحكومة السودانية في مفاوضات أسمرا عام 2006. وبعد نجاح تلك المباحثات، حرص الأمير الوالد على أن يترجم السلام إلى حضور سياسي وتنموي ملموس، فجاء إلى مدينة كسلا في زيارة تاريخية نادرة، في مشهد ما زال حيًا في الذاكرة، ليؤكد أن السلام لا يكتمل بالتوقيع وحده، بل يحتاج إلى رعاية وتنمية ومشروعات تعيد للناس الثقة في المستقبل. ومن هنا امتدت الرعاية القطرية إلى مشروعات التعليم والصحة والمياه والقرى النموذجية عبر المؤسسات القطرية الخيرية والتنموية. وكذلك كان له إسهام مقدر في دعم الآثار والثقافة في السودان، وهو جانب يعكس فهمه العميق لعلاقة النهضة بالهوية والذاكرة والتاريخ.
إن الكتابة عن الشيخ حمد بن خليفة ليست كتابة عن رجل سياسة فحسب، بل عن تجربة قيادية متكاملة جمعت بين الشجاعة والرؤية، وبين الوفاء للقيم والقدرة على الإنجاز، وبين الوطنية الواسعة والبعد الإنساني. لقد كان من الرجال الذين إذا ذُكرت القيادة ذُكروا، وإذا ذُكرت الشهامة والكرم والتواضع حضر اسمهم، وإذا ذُكرت الرؤية الاستراتيجية وبناء الدول كان لهم المقام الأرفع.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه عن قطر وأمتها العربية والإسلامية وعن الإنسانية خير الجزاء. سيبقى أثره حاضرًا في المؤسسات التي بناها، وفي النهج الذي أرساه، وفي الرجال الذين ألهمهم، وفي القيم التي جسّدها حيًا وميتًا. ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يبارك في ذريته، وأن يوفق حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في حمل الرسالة ومواصلة المسيرة.
سلام عليك يا أبا المشاعل، طبت حيًا وميتًا، وجعل الله ذكراك نورًا في القلوب، وعبرة في تاريخ القيادة، ومثالًا يُحتذى في خدمة الأوطان وصناعة المجد وبناء الإنسان.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾